زكي مبارك
79
عبقرية الشريف الرضي
فذلك معروف ، وانما أريد أن أقف عند هذه النزعة النبيلة من نزعات الشريف ، وأنا أجزم بأنه كان يرى المرأة في صورة أمه تلك الأم التي وقته مكاره الحياة في السنين العجاف يوم أودع أبوه غياهب الاعتقال . والحق أن اللغة العربية كانت تحتاج إلى من يمجدون الأمهات والأخوات والبنات على نحو ما وقع في اللغات الأجنبية ، فان في المرأة عناصر من العطف والتضحية لا يدركها إلا ذوو الألباب ، وصاحبنا الشريف قد وفق في هذه الناحية كل التوفيق . ورثاء الشريف لامه يشهد بأنه كان يفهم قيمة هذا المذهب النبيل ، فهو يجعل موتها بابا لشماتة الأعداء إذ يقول : كم عبرة موهتها بأناملي * وسترتها متجملا بردائي أبدى التجلد للعدوّ ولو درى * بتململي لقد اشتفى أعدائي والتصريح بأن موت الأم باب إلى الشماتة هو أعظم تمجيد لكرائم النساء . وهو يصرح بأن أمه كانت تقيه النوائب ، وتنفق عليه وتواسيه ، فيقول : فبأي كف استجنّ واتقي * صرف النوائب أم بأي دعاء ومن المموّل لي إذا ضاقت يدي ( 1 ) ومن المعلل لي من الأدواء ( 2 ) ومن الذي إن ساورتني نكبة كان الموقى لي من الأسواء ( 3 ) رزءان يزدادان طول تجدد أبد الزمان فناؤها وبقائي
--> ( 1 ) الممول واهب المال . ( 2 ) الأدواء جمع داء . ( 3 ) الأسواء جمع سوء وهو الردى .